لماذا لن تنجح خُطَط الولايات المتحدة لتقاسُم السلطة في ليبيا؟
2026-08-16349 مشاهدة
في ظلّ استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي في ليبيا، تتزايد الضغوط الأمريكية للدفع نحو تشكيل حكومة موحدة تجمع الأطراف المتنافسة، وسط رهانات على أن يؤدي توحيد السلطة إلى تحقيق الاستقرار وتهيئة الظروف اللازمة للتنمية الاقتصادية، ولا سيما في قطاع النفط.
مركز أبعاد يقدم ترجمة لتقرير تحليلي نشره مركز شاتام هاوس (Chatham House) في 20 يوليو/ تموز 2026، يستعرض حدود خطة تقاسُم السلطة التي تدفع بها الإدارة الأمريكية في ليبيا، وما قد يترتب عليها من تداعيات على الحوكمة وإدارة المال العامّ، بالإضافة إلى استشراف فرص نجاح تشكيل حكومة موحدة في ظلّ استمرار تنافُس النُّخَب السياسية ومراكز النفوذ.
نص الترجمة
كثّف مسعد بولوس، المستشار الأول للرئاسة الأمريكية للشؤون العربية والإفريقية مؤخراً، من جهوده لكسر الجمود السياسي في ليبيا من أجل تشكيل حكومة موحدة تنهي الانقسام بين إدارتين متنافستين؛ حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس، وحكومة الاستقرار الوطني المتمركزة في بنغازي.
في يونيو/ حزيران 2026، سافر صدام حفتر، نائب القائد العامّ للجيش الوطني الليبي، إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في وقت كان فيه المستشار الأمريكي يسعى إلى الحصول على موافقة الجانب الموالي لحفتر على تقاسم السلطة، لكي يسافر ممثلون عن حكومة الوحدة الوطنية إلى واشنطن، لكن بولوس لا يزال يأمل في إقناعهم بدعم الاتفاق.
بالنسبة لمعارضي الاتفاق، وهم كثر، يبدو الأمر وكأنه عودة إلى حكم الجماعات، كما يبدو للّيبيين العاديين أنه استمرار للوضع نفسه، إذ يركز الاتفاق على تقاسم السلطة بين النخب بدلاً من كيفية تمكين الدولة من تقديم الخدمات لمواطنيها.
في حين يسلط تقريران صدرا مؤخراً عن ديوان المحاسبة الليبي والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الضوء على تكلفة التعايش بين الإدارتين الليبيتين، والمصالح الراسخة للسياسيين والجماعات المسلحة، على المواطنين الليبيين، وسلاسل التوريد التي تدير توفير الوقود المدعوم والأدوية المدعومة.
بحسب تقرير مراجعة دعم الوقود كان توفيره مصدر جدل كبير في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، ففي عام 2022 أدى تغيير في قيادة المؤسسة الوطنية للنفط، إلى توسع سريع في مشتريات الوقود، وعلى الرغم من كون ليبيا دولة منتجة للنفط، إلا أنها تعاني من نقص في قدرة التكرير، مما يعني أنها مضطرة إلى استيراد الوقود لسوقها المحلي. ويُعرف أن البنزين يُباع في المحطات بسعر 0.02 دولار للتر، لكن التقرير يكشف أن تكلفة الدعم أصبحت كبيرة.
أيضاً وجد التقرير أن فاتورة الاستيراد بلغت أكثر من 9 مليارات دولار بحلول عام 2024، أي ما يعادل نحو 1200 دولار للفرد في ليبيا. وقد تضاعف حجم الواردات أكثر من مرتين منذ عام 2021، وهي زيادة لا يمكن تبريرها بأي تقدير معقول لطلب السوق.
ويفصّل التقرير جميع جوانب سلسلة التوريد هذه كاشفاً عن مشاكل الدولة الليبية المجزأة، وتبيّن أن تقييم الطلب على الوقود يفتقر إلى أساس علمي، حيث تطالب الوكالات الحكومية الليبية بكميات متزايدة باستمرار نادراً ما تدفع ثمنها، فيما زادت الجماعات المسلحة التابعة للدولة في ليبيا استهلاكها للديزل بنسبة 1527% في عام 2024 مقارنة بعام 2021، بينما زاد الاستهلاك في محطة جنوب طرابلس للطاقة بنسبة 1368%.
بالإضافة إلى ما سبق، تشير هذه النتائج إلى واقع تسيطر فيه المصالح الراسخة على تدفقات السلع المربحة، ومن المرجح أن نسبة كبيرة منها تُباع في السوق السوداء بأسعار أعلى بكثير أو تُهرَّب دولياً، وليس النخب الليبية وحدها مَن يستفيد، فهناك أيضاً بُعد دولي لهذه الأنشطة.
كما انخفض عدد موردي الوقود المستورد من 17 في عام 2021 إلى 6 فقط في عام 2024، ويثير التقرير عدة مخاوف تنظيمية كبيرة بشأن هذه الشركات الأجنبية، ومعظمها حديثة التأسيس، لا سيما أن الأسعار التي تدفعها الدولة الليبية مقابل وقودها أصبحت أقل تنافسية مع تقلص عدد الموردين. فعلى سبيل المثال ارتفعت علاوة التكلفة والتأمين والشحن للديزل بنسبة 450%، مما أدى إلى خسارة تقارب 600 مليون دولار في عام 2024 وحده.
ويوضح التقرير المتعلق بمراجعة دعم قطاع الأدوية ديناميكيات مشابهة بشكل لافت، إذ وجد أنه لا يوجد إطار وطني ينظم توريد الأدوية، وأن تقدير الاحتياجات يعتمد على منهجية تخمينية، وأن عدداً صغيراً من الشركات نما بشكل هائل من حيث الأرباح والحصة السوقية في السنوات الأخيرة، ووُجد أن بعضها لديه روابط مباشرة مع مسؤولين في الدولة وأعضاء في البرلمان.
وهذا يمثل تضارباً مباشراً في المصالح، إذ إن هؤلاء المسؤولين والنواب أنفسهم هم مَن يصوغون سياسات المشتريات التي تستفيد منها هذه الشركات.
لذلك تبرز التساؤلات حول مدى إمكانية نجاح الجهود الرامية إلى تشكيل حكومة موحدة. فمنطقياً، لا ينبغي أن تقتصر أهمية توحيد السلطة السياسية على إنهاء الانقسام، بل يجب أن تستند إلى قدرة هذه الحكومة على توفير الاستقرار اللازم لتهيئة بيئة مواتية للتنمية الاقتصادية، ولا سيما في قطاع النفط.
وفي هذا السياق، يكتسب التقرير المتعلق بقطاع الوقود أهمية خاصة، باعتباره جزءاً من المساعي الأمريكية لدفع الأطراف الليبية المتنافسة نحو التوافق والوحدة. ويأتي ذلك في ظل توجُّه أمريكي، يقوده بولوس، إلى تشجيع وزيادة الاستثمارات الأمريكية في قطاع النفط الليبي، شريطة أن يتمكن الطرفان المتنافسان من العمل ضمن إطار سياسي ومؤسسي موحد.
من جهة أخرى، المعطيات السابقة تثير تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان مجرد إضفاء الطابع الرسمي على ترتيبات تقاسُم السلطة القائمة بين الأطراف المتنافسة في ليبيا يمكن أن يشكل فعلاً أساساً لتحقيق التنمية والاستقرار. فالاتفاق على تقاسُم السلطة، من دون إصلاح آليات الحوكمة والرقابة المالية، قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ يمكن أن يوسع نطاق الفساد ويزيد من الإنفاق الحكومي، في ظلّ غياب القيود الفعّالة على إدارة الموارد العامة.
ولا يقتصر أثر ذلك على الحوكمة الداخلية، بل يمتد أيضاً إلى فرص الاستثمار في قطاع النفط، فشركات النفط الدولية ستظل مترددة في ضخّ استثمارات كبيرة في بيئة تفتقر فيها سيادة القانون إلى الاستقرار.
بينما يظلّ تنفيذ العقود والالتزامات القانونية عرضة لتأثير مراكز القوى والجماعات السياسية المتنافسة. وحتى في حال انتقال هذه الأطراف إلى العمل داخل حكومة واحدة، فمن المرجح أن يستمر التنافس بينها من داخل مؤسسات الدولة، ما لم تُعالج جذور المشكلة المتعلقة بضعف الحوكمة وآليات الرقابة.
ومن هنا تتمثل إحدى أهم الخلاصات في أن التركيز لا ينبغي أن ينصبّ فقط على تشكيل حكومة جديدة، وإنما على طبيعة النظام الذي ستعمل في إطاره هذه الحكومة؛ ولذلك فإن أيّ تسوية سياسية مستقبلية يجب أن تقترن بشروط واضحة تضمن كيفية إدارة المال العامّ، وتفرض مستويات أعلى من الشفافية والمساءلة، وتُوجه الإنفاق الحكومي نحو تحسين الخدمات العامة والتنمية بدلًا من استخدام موارد الدولة لتحقيق مصالح خاصة.
وتؤكد التجربة المتعلقة بعدم ترجمة اتفاق الميزانية الموحدة على أرض الواقع الذي جرى التوصل إليه بين الأطراف الليبية بوساطة أمريكية في إبريل/ نيسان 2026، أن التوافقات السياسية، مهما بدت مهمة، لن تؤدي وحدها إلى تغيير الواقع ما لم تقترن بآليات واضحة لتنفيذها ومراقبتها ومحاسبة الأطراف التي تفشل في الالتزام بها.
ومن الطبيعي أن تواجه مثل هذه الشروط مقاومة من جانب النخب الليبية المستفيدة من الوضع القائم، وهو ما سيجعل التوصل إلى اتفاق بشأن حكومة جديدة أكثر صعوبة، كما أن ربط أيّ تسوية سياسية بشروط تتعلق بالحوكمة والشفافية سيضع الولايات المتحدة أمام مسؤولية إضافية تتمثل في مراقبة تنفيذ الاتفاق والتأكد من التزام الأطراف به.
ومع ذلك، قد يكون هذا الدور الرقابي ضرورياً لضمان توافر البيئة السياسية والمؤسسية التي يحتاج إليها الاستثمار الأجنبي، ولا سيما الاستثمارات الأمريكية في قطاع النفط، وهو الهدف الذي يسعى إليه المستشار الأمريكي.
وبالتالي فإن السؤال الذي يواجه الوسطاء الدوليين لا يقتصر على كيفية التوصل إلى تسوية بين القوى المتنافسة، ولا سيما بين معسكرَيْ حفتر والدبيبة، بل يتعلق أساساً بطبيعة هذه التسوية، وما إذا كانت ستؤدي إلى تحسين الحوكمة في ليبيا أم ستكتفي بإعادة توزيع النفوذ بين النخب القائمة.
فإذا أُنشئت حكومة جديدة وفق الصيغة التي يدفع بها بولوس، من دون أن يصاحب ذلك إصلاح حقيقي في إدارة الدولة والمال العامّ، فإن فائدتها ستظلّ محدودة، وقد لا تحقق الاستقرار الاقتصادي والسياسي المطلوب لجذب الاستثمارات التي يُراد استقطابها.
المصدر: (Chatham House)




