اتساع نطاق التهديدات الأمنية على الأردن

اتساع نطاق التهديدات الأمنية على الأردن

2026-08-18
341 مشاهدة

تفرض الحرب بين إيران والولايات المتحدة على الأردن بيئة أمنية أكثر تعقيداً من مجرد خطر التعرض للضربات الصاروخية أو المسيَّرات، فالمملكة تجد نفسها في قلب جغرافيا الصراع بحكم موقعها بين العراق وسوريا والضفة الغربية.

وقد أدى انتقال جزء من الثقل العسكري الأمريكي نحو الأراضي الأردنية نتيجة تعرُّض بعض القواعد الأمريكية في الخليج لتهديدات مباشرة، إلى زيادة القيمة الإستراتيجية للأردن، لكنه في الوقت نفسه رفع مستوى تعرُّضه للردّ الإيراني.

وتشير الأرقام إلى أن أكثر من 280 طائرة مسيَّرة وصاروخاً استهدفت مواقع أمريكية ومحلية داخل الأردن حتى نيسان/ إبريل 2026، بما يؤكد أن عمّان لم تَعُدْ مجرد دولة مجاورة للصراع، وإنما أصبحت جزءاً من المواجهة الإقليمية، إلى جانب تحمُّلها تبعات أمنية إضافية أبرزها ما يلي:

1. كثّفت جماعات موالية لإيران وغيرها من عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات والأفراد عبر حدود الأردن، مما فرض على القوات العسكرية والأمنية مهام إضافية لعمليات الرصد والتتبع، حتى وصلت إلى قيام سلاح الجو الأردني في مايو/ أيار 2026 بشنّ غارات على مواقع لتجار أسلحة ومخدرات بمحافظة السويداء في سوريا.

2. استهدفت عمليات إلكترونية البنية التحتية الحيوية، وأهم هذه العمليات ما حصل في مارس/ آذار 2026 حيث أكدت الحكومة أن محاولة اختراق كان مصدرها إيران وقد استهدفت نظام إدارة صوامع القمح في الشركة العامة الأردنية للصوامع والتموين.

3. سعت حملات إعلامية وتحرُّكات داخلية إلى تصوير الوجود الأمريكي كمصدر رئيسي للخطر مما أثار موجة من الانقسامات، ومن أبرزها توقيع عريضة من قِبل شخصيات سياسية وقَبَليّة أردنية في يوليو/ تموز 2026 أكدوا خلالها أن الوجود العسكري الأجنبي يعرض الدولة لأخطار أمنية.

من جهة ثانية، حول الاستجابة الأمنية والعسكرية للتهديدات، فقد تمكنت الدفاعات الجوية الأردنية، بالتعاون مع الأنظمة الأمريكية، من اعتراض أغلب الأخطار العسكرية سواء الصاروخية أو الطيران المسيَّر أو عمليات التهريب.

لكن لا تقتصر المشكلة على احتمال إصابة الأهداف، فحتى في حال نجاح الدفاعات الجوية في اعتراض معظم المقذوفات، تظلّ عملية الاعتراض نفسها مصدراً للأخطار على السكان والمنشآت المدنية، نتيجة سقوط الحطام والانفجارات الجوية واحتمال انحراف بعض المقذوفات.

والأهم أن تطوُّر القدرات الإيرانية يفرض تحدياً مستمراً على منظومات الدفاع، فقد أظهرت تطوُّرات الحرب أن إيران استطاعت تحسين دقة بعض صواريخها وتكييف أساليب الإطلاق والاستهداف، بما يزيد الضغط على الدفاعات الأمريكية والإقليمية ويجعل استدامة مخزونات الصواريخ الاعتراضية عنصراً مهماً في حسابات الأمن الإقليمي.

بينما يبقى ملفّ الانقسام الداخلي والجدل قائماً حول جدوى وجود القواعد الأمريكية مثار نقاش واسع بين مَن يرى أن هذا الوجود يساهم في تعزيز قدرات الدولة الدفاعية، وآخر يرى أنه سبب في الاستهداف.

وبناءً على ما سبق تفرض طبيعة التهديدات المتداخلة التي تواجه الأردن مقاربة تتجاوز التعامل مع الهجمات الصاروخية والمسيَّرة باعتبارها الخطر الرئيسي؛ لأن المطلوب هو بناء منظومة متكاملة لإدارة الأخطار، تجمع بين الدفاع الجوي، وأمن الحدود، والحماية السيبرانية، بالتوازي مع تعزيز الوحدة الداخلية لكي لا تتفاعل سلباً مع الضغوطات الاقتصادية التي يتعرض لها الأردن بسبب الحرب.

وبالنظر إلى المستقبل، لا تشير المعطيات الحالية إلى عودة سريعة إلى بيئة أمنية مستقرة، وتكمن الأولوية الإستراتيجية للأردن في منع تحوُّل أراضيه إلى جبهة دائمة في الحرب أو ساحة ردّ بين طرفين متحاربين.

لذلك من المرجَّح أن يتجه صُنّاع القرار إلى تعزيز الجهود الدبلوماسية على مسارين متوازيين الأول؛ يتمثل بتعزيز الشراكات الدفاعية مع دول المنطقة، والثاني استمرار العمل في الجهود الدولية الساعية إلى خفض التصعيد في المنطقة، ما يعني زيادة القدرات العسكرية على الدفاع والردع إلى جانب الحفاظ على موقف سياسي يمنع انخراط عمّان بالحرب بشكل مباشر.