النزاع الباكستاني الأفغاني يتحوّل إلى مواجهة عسكرية مفتوحة
2026-03-1859 مشاهدة
Download PDF
دخلت العلاقات بين باكستان وحكومة "إمارة أفغانستان الإسلامية" التي تقودها حركة طالبان مرحلة "القطيعة العسكرية" الكاملة منذ نهاية عام 2025. فبعد عقود من سياسة "العمق الإستراتيجي" التي انتهجتها إسلام آباد تجاه جارتها الغربية، تحوّلت الحدود الممتدة لمسافة 2640 كم إلى ساحة حرب نشطة.
في 27 فبراير 2026، سجلت المنطقة تصعيداً غير مسبوق بتنفيذ سلاح الجوّ الباكستاني غارات جوية استهدفت ما وصفته بـ "مراكز القيادة والسيطرة" لحركة طالبان باكستان في ضواحي كابول وولايات ننجرهار وخوست.
ورغم الشائعات التي طالت أميرَ الحركة "هبة الله آخونزادة"، إلا أن المؤكد ميدانياً هو استهداف بِنْية تحتية عسكرية بالغة الأهمية، مما يشير إلى أن باكستان قد رفعت الغطاء السياسي تماماً عن سلطة طالبان في كابول.
وفي 16 مارس 2026 أعلنت أفغانستان مقتل المئات من المدنيين في العاصمة كابول، واتهمت باكستان بالتسبب بمقتلهم عَبْر تنفيذها غارات جوية على منطقة طبية، لتكون هذه الأحداث بمثابة تأكيد جديد على تحوُّل التصعيد إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
أولاً: جذور النزاع
1. معضلة خطّ دوراند والسيادة المفقودة
يُعَدّ خطّ دوراند (Durand Line) العائق الأكبر أمام استقرار العلاقات. رسمه البريطاني "مورتيمر دوراند" عام 1893 ليفصل بين مناطق النفوذ البريطاني في الهند وأفغانستان. [1]
ويمر الخطّ عَبْر مناطق وَعْرَة تقطنها قبائل البشتون، ويمتدّ من جبال الهيمالايا في الشمال وصولاً إلى صحراء بلوشستان في الجنوب.
وترفض حركة طالبان (مثلها مثل الحكومات الأفغانية السابقة) الاعتراف بالخطّ كحدود دولية، معتبرة إياه "جُرْحاً قومياً" يقسم الشعب البشتوني. في المقابل، تعتبره باكستان حدوداً شرعية وقامت بتسييج 95% منه بأسلاك شائكة وأبراج مراقبة، وهو ما تعتبره كابول "تكريساً للاحتلال".
2. حركة طالبان باكستان
تمثل هذه الحركة التحدي الأمني الأبرز. نشأت عام 2007 في مناطق القبائل الباكستانية (وزيرستان) بهدف تطبيق الشريعة ومحاربة الجيش الباكستاني.
ورغم استقلالها الهيكلي، إلا أنها تكنّ "بيعة روحية" لأمير طالبان أفغانستان. وتتهم إسلام آباد كابول بتوفير ملاذات آمِنة لقادتها، وعلى رأسهم مولانا نور ولي محسود، الذي تشير التقارير العسكرية الأخيرة إلى استهدافه في غارات فبراير 2026 [2] .
ثانياً: التسلسل الزمني للتصعيد الميداني
شهدت الأشهر الأخيرة انتقالاً نوعياً في مستوى العمليات، ويمكن رصدها كالتالي:
● أكتوبر 2025 (مذبحة خيبر بختونخوا): نفذت حركة طالبان باكستان هجوماً انتحارياً مزدوجاً في إقليم خيبر بختونخوا (الإقليم الباكستاني المحاذي لأفغانستان وعاصمته بيشاور)، مما أدى لمقتل 25 عسكرياً. ردت باكستان بعملية "تطهير الحدود" التي شملت ضربات جوية في ولاية بكتيكا.
● ديسمبر 2025 (حرب المسيَّرات): لأول مرة، استخدمت قوات طالبان طائرات مسيَّرة (انتحارية) لاستهداف مخافر حدودية باكستانية في منطقة تيراد، مما مثَّل تحوُّلاً تكنولوجياً في ترسانة الحركة.
● فبراير 2026 (الضربة الكبرى): في 21 فبراير، بدأت باكستان حملة قصف مركّز شملت ولايات خوست، وننجرهار، وكابول. وفي 27 فبراير، بلغت الذروة بغارات استهدفت قادة الصف الأول لـ (TTP).
● مارس 2026 (الوضع الراهن): نزح ما يزيد عن 50 ألف شخص من مناطق القبائل الباكستانية (مثل باجور ومهمند) نحو العمق الباكستاني، مع استمرار المناوشات بالمدفعية الثقيلة عَبْر الحدود.
ثالثاً: القوى الإقليمية وتشابُك المصالح الجيوسياسية
تتحرك الأزمة في فلك قوى إقليمية كبرى تزيد من تعقيد المشهد:
الهند : ترى باكستان في التقارب "التقني" بين كابول ونيودلهي محاولة لتطويقها. الهند استثمرت سابقاً في سدود وبنى تحتية في أفغانستان، وتخشى إسلام آباد من استخدام الأراضي الأفغانية كقاعدة خلفية لدعم الانفصاليين البلوش.
الصين : تمثل أفغانستان حلقة مفقودة في مشروع الحزام والطريق ، فالصين تضغط على طالبان لضمان عدم تسلُّل مقاتلي "الحزب الإسلامي التركستاني" (الإيغور) عَبْر ممر واخان، كما تسعى لحماية "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني" من هجمات الجماعات المسلحة.
إيران وروسيا: تراقبان بحذر نشاط تنظيم داعش - ولاية خراسان (الفرع الأكثر تطرُّفاً الذي يتخذ من شرق أفغانستان مقراً له). تخشى موسكو وطهران من أن يؤدي انهيار العلاقات الباكستانية الأفغانية إلى فوضى يستغلها التنظيم للتمدُّد نحو آسيا الوسطى أو العمق الإيراني.
رابعاً: العامل الاقتصادي وأداة "اللاجئين"
استخدمت باكستان "القوة الناعمة الخشنة" للضغط على كابول من خلال ملفين:
● الحصار التجاري: إغلاق معبرَيْ تورخام (البوابة الرئيسية لكابول) ويشملان (البوابة لجنوب أفغانستان). هذا الإغلاق تسبب في تضخُّم بنسبة 40% في الأسواق الأفغانية التي تعتمد على الطحين والوقود الباكستاني.
● التهجير القسري : بدأت السلطات الباكستانية في تنفيذ خطة لترحيل 1.5 مليون لاجئ أفغاني غير مسجَّل. هذا الملفّ يمثل "قنبلة موقوتة" لحكومة طالبان التي لا تملك الموارد الاقتصادية لاستيعاب هذا العدد الهائل من العائدين.
الخُلاصة
شكّلت الأحداث الدراماتيكية التي شهدتها الحدود الأفغانية الباكستانية في مطلع عام 2026 نقطة تحوُّل مفصلية في الجيوسياسة الإقليمية، حيث تجاوزت الأزمة مجرد كونها احتكاكاً حدودياً عابراً لتصبح تجسيداً لانهيار إستراتيجيات أمنية استمرت لعقود.
المواجهة الحالية هي في جوهرها صراع مرير على "هُوِيّة الحدود" و"أمن الدولة"؛ إذ وصل صانع القرار في إسلام آباد إلى قناعة مفادها أن باكستان لم تَعُدْ تحتمل كلفة "الاستقرار الأفغاني" تحت حكم طالبان، إذا كان ثمن هذا الاستقرار هو "اللااستقرار الباكستاني" وتنامي التهديدات في الداخل.
لقد سقطت الرهانات القديمة التي كانت تعول على أن وصول حركة "صديقة" إلى سُدّة الحكم في كابول سيؤمِّن الحدود الغربية، ليحل محلها واقع أمني معقَّد يضع السيادة الوطنية في مواجهة التضامن الأيديولوجي المزعوم.
من جانب آخر، يُظهِر التصعيد الحالي بوضوح تآكُل نفوذ الاستخبارات الباكستانية وفشل أدوات التأثير التقليدية التي كانت تملكها باكستان داخل حركة طالبان لفترات طويلة. فقد برز جيل جديد من قادة طالبان الأفغانية، يتبنى بوضوح "القومية الأفغانية" ويضعها فوق "الأيديولوجيا الإسلامية" المشتركة التي كانت تُشكّل جسراً مع إسلام آباد.
هذا الجيل الجديد يرفض الوصاية التاريخية، ويرى في السيادة على خطّ دوراند واستقلالية القرار الأمني ثوابت غير قابلة للتفاوض، حتى لو أدى ذلك إلى صدام عسكري مباشر مع الحليف القديم.
وبناءً على المعطيات الميدانية والتحوُّلات السياسية المذكورة، يمكن حصر السيناريوهات المتوقَّعة لمستقبل هذا الصراع فيما يلي:
● سيناريو الاحتواء الهشّ : ويقوم على نجاح وساطة إقليمية تقودها الصين وقطر، تؤدي إلى تجميد العمليات العسكرية المباشرة مقابل تعهد كابول بطرد قادة حركة طالبان باكستان إلى مناطق نائية بعيداً عن الشريط الحدودي. ورغم قدرة هذا السيناريو على خفض التصعيد مؤقتاً، إلا أنه يظلّ "هشّاً" نظراً لغياب الثقة العميقة بين الطرفين.
● سيناريو حرب الاستنزاف (الأرجح) : وهو السيناريو الذي يشهد استمرار الضربات الجوية الباكستانية "الجراحية" ضد أهداف محددة في العمق الأفغاني، يقابله تصعيد في الهجمات الانتحارية داخل المدن الباكستانية. وفي هذا المسار، يظلّ التوتر الاقتصادي سيد الموقف مع بقاء المعابر الحدودية مغلقة تجارياً لفترات طويلة، مما يعمق الأزمات المعيشية في كِلا البلدين.
● سيناريو الانفجار الكبير : ويمثل الاحتمال الأكثر خطورةً، حيث قد تلجأ باكستان نتيجة ضغوط أمنية داخلية كبرى إلى القيام بعملية برية لإنشاء "منطقة عازلة" بعمق 20 كم داخل الأراضي الأفغانية لتأمين حدودها. هذا التحرك قد يدفع حركة طالبان، بدافع حماية سيادتها القومية، لفتح جبهة حرب نظامية شاملة، مما قد يُحوِّل المنطقة بأكملها إلى بُؤْرة صراع دولي مفتوح.
[1] خطّ دوراند.. خط شريان حياة وشرارة توتر بين باكستان وأفغانستان، الجزيرة نت، 18 فبراير 2017، الرابط
[2] تحريك حركة طالبان باكستان.. تمرد يتعمق ومخاطر تتصاعد، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 5 أكتوبر 2023، الرابط




