مسار التصعيد وتداعياته في جنوب لبنان
2026-09-01730 مشاهدة
تتجاوز التطوُّرات الميدانية في جنوب لبنان مفهوم الردود المحدودة على حوادث أمنية منفردة لتتجه نحو تثبيت حضور عسكري وأمني مستمر داخل العُمق الحدودي، ويعتمد هذا المسار على مزيج من القوة الجوية والمدفعية والأعمال الهندسية والتحركات البرية للجيش الإسرائيلي في محاولة واضحة لفرض وقائع ميدانية تدريجية.
وتشير التحرُّكات العسكرية في مناطق جنوبية متفرقة مثل محيط زوطر وأرنون وحولا والخيام والمنصوري وعيتا الجبل إلى قدرة إسرائيلية على تنفيذ عمليات متزامنة ضِمن قطاعات مختلفة، وممارسة ضغط مستمر واستهداف البنية التحتية المشتبَه بارتباطها بحزب الله مع إبقاء مستوى الاشتباك دون عتبة الحرب الشاملة.
أيضاً في هذا السياق تبرز مسألة السيطرة على التلال والممرات والمناطق المرتفعة؛ فالتضاريس الجنوبية لا تمنح أهمية رمزية فقط، بل توفر قدرة على المراقبة والسيطرة؛ لذلك فإن استمرار النشاط الإسرائيلي حول علي طاهر، إلى جانب التحركات في محيط الأنهار والبلدات المرتفعة، يعكس أهمية العامل الجغرافي في الحسابات العسكرية.
وتجدر الإشارة إلى أن الأنشطة الإسرائيلية تتركز بصورة رئيسية على أعمال التفجير والهدم والتجريف وعمليات الاستطلاع عبر الطيران المسير وشن الغارات، وهذه الأنشطة من شأنها أن توفر قدرة على المراقبة والتحكم بمحاور الحركة، وتهديد المناطق المأهولة، مما يجعل عودة السكان وإعادة تأهيل البنية التحتية بالغة الصعوبة.
وفي هذا الصدد، وثقت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان خلال يونيو/ حزيران 2026 نشاطاً إسرائيلياً كثيفاً شمل تحرُّكات مدرعة وأعمالاً هندسية واسعة وعمليات هدم، إلى جانب نشاط جوي مرتفع الكثافة، وفي إحدى الفترات رصدت القوة مئات مسارات القذائف المنطلقة من مواقع إسرائيلية.
في حين أن العمليات الحالية تجري في مساحة يُفترض أن تنتقل تدريجياً إلى سيطرة الدولة اللبنانية. فقرار مجلس الأمن 2790 حدد هدفاً يتمثل في بسط سلطة الحكومة اللبنانية على كامل الأراضي، بحيث لا تكون هناك أسلحة أو سلطة خارج مؤسسات الدولة، كما طالب إسرائيل بالانسحاب من المواقع الموجودة شمال الخط الأزرق، وفي الوقت نفسه، نصَّ القرار على إنهاء مهمة اليونيفيل اعتباراً من نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2026 وبدء انسحابها التدريجي خلال عام.
بالنسبة إلى حزب الله، إن استمرار الهجمات المحدودة من قِبله أو استمرار تمسُّكه بسلاحه وعدم تسليمه للجيش اللبناني، يوفر لإسرائيل ذرائع لمواصلة وجودها العسكري، وهذه المعادلة تخلق حلقة ميدانية مغلقة، إذ إن استمرار الوجود إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية يولد حافزاً للتمسك بالسلاح ضمن مفاهيم المقاومة، والهجمات على القوات الإسرائيلية توفر مبرراً لعمليات إسرائيلية جديدة، ونتيجة ذلك يصبح تثبيت وقف الأعمال العدائية أكثر صعوبة حتى في غياب قرار من الطرفين بالعودة إلى حرب شاملة.
وعلى أيّ حال، لا تُظهر المؤشرات الحالية وجود توجُّه نحو اجتياح بري شامل بل يتسق النمط الميداني مع سياسة إبقاء الضغط العسكري المستمر وتقليل الحاجة إلى انتشار بري واسع مع استمرار التفاوض حول ملف المناطق التجريبية وفقاً لاتفاق الإطار مع الدولة اللبنانية.
وعليه يدخل المشهد الميداني في الجنوب مرحلة اختبار فعلية لترتيبات ما بعد الحرب وسط سعي إسرائيلي لضمان بيئة أمنية تمنع إعادة بناء القدرات العسكرية قرب حدودها، بينما يبقى تثبيت الهدوء الفعلي مرهوناً بالقدرة على معالجة ملفات الانتشار والسيطرة والسلاح وليس بمجرد تجميد مؤقت للضربات المُتبادَلة.




