تحديات إعادة بناء مفهوم الأمن القومي في سوريا
2026-08-29905 مشاهدة
Download PDF
مقدمة
تفرض التغييرات الجديدة التي طرأت على سوريا على مستويات مختلفة تطوُّر مفاهيم جديدة للسياسات والتوجهات الأمنية في البلد لا سيما أن الإرث المفاهيمي للأمن الذي أرساه النظام البائد كان يهدف بصورة رئيسية لحماية السلطة وليس حماية الشعب داخلياً، وهو ما دفعه لاعتبار الحراك ضده عبارة عن تهديد لسلطته واستخدم ضده السياسات الأمنية وأتبعها بالعسكرية لإخماده.
بينما في سوريا الجديدة تختلف المعطيات بناء على انهيار النظام والأُسُس التي أدت لتكوينه واستمراره على مدار عقود، وحاجة الدولة إلى بناء مفاهيم ومحددات جديدة للأمن القومي الذي يعني "حماية المواطنين وتأمين الحدود وتحقيق الاستقرار وجعل البلاد أقوى وأكثر سيادة بما يتوافق مع مصالحها الإستراتيجية طويلة الأمد.
في حين إن تعقيد البيئة الداخلية والإقليمية والدولية التي تعمل سوريا ضمنها، والتي تفرض تحديات تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة وإعادة توحيد منظومتها الأمنية والعسكرية، ومواجهة التوترات والانقسامات المجتمعية التي راكمتها سنوات طويلة من القمع، والموقع الجغرافي الحيوي لسوريا، وتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية فيها، كل هذه الأمور مجتمعة تجعل من مسألة بناء إستراتيجية أمن قومي أمراً مُلِحّاً.
وبناءً على ما سبق، إن البحث في إعادة بناء مفاهيم الأمن القومي في سوريا الجديدة يطرح مجموعة من الأسئلة الأساسية حول طبيعة هذا المفهوم وحدوده ومكوناته، وكيفية الانتقال من نموذج أمني ارتبط تاريخياً بحماية النظام إلى نموذج وطني يركز على حماية الدولة والمجتمع.
كما يطرح تساؤُلات حول طبيعة التهديدات التي ينبغي أن تتعامل معها سوريا، وأولوياتها الأمنية والإستراتيجية، وشكل المؤسسات التي يمكن أن تضطلع بمهمة حماية الأمن القومي، ومدى الحاجة إلى إعادة هيكلة المنظومة الأمنية والعسكرية.
أولاً: الأخطار الأمنية التي تواجه سوريا
تحديد مصادر الخطر واتجاهاتها يمثل عنصراً أساسياً لفهم طبيعة الأمن القومي السوري في المرحلة المقبلة، ويمكن رصد أبرز هذه الأخطار وفق الآتي:
1. إسرائيل
يمثل السلوك الإسرائيلي تجاه سوريا أحد أكثر مصادر التهديد تعقيداً أمام بناء منظومة الأمن القومي في الدولة السورية؛ لأن هذا السلوك يختبر بصورة مباشرة قدرة الدولة على ممارسة سيادتها على أراضيها واحتكارها المشروع لاستخدام القوة، فمنذ سقوط النظام اتجهت إسرائيل إلى توسيع نطاق عملياتها داخل الأراضي السورية، مستفيدة من الفراغ الذي أصاب منظومة الدفاع السورية ومن هشاشة المرحلة الانتقالية.
في ديسمبر/ كانون الأول 2025، أشار الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تنفيذ الجيش الإسرائيلي أكثر من ألف ضربة، وأكثر من 400 توغل بري منذ سقوط النظام [1] .
ولم تتخذ العمليات الإسرائيلية طابعاً ثابتاً أو محصوراً في منطقة الحدود الجنوبية؛ فعلى سبيل المثال في 8 سبتمبر/ أيلول 2025، تعرض محيط مدينتَيْ حمص واللاذقية لضربات إسرائيلية، في مؤشر على اتساع المجال الجغرافي للعمليات [2] .
كما استمرت العمليات خلال عام 2026، إذ نفذت إسرائيل في 18 أغسطس/ آب 2026 ثماني غارات على قاعدة أبو الظهور، مستهدفة مدرجات ومنشآت تخزين، في خطوة اعتبرتها دمشق انتهاكاً لسيادته ا [3] . وفي أواخر الشهر ذاته نفذت إسرائيل ضربة بطائرة مسيرة قرب بيت جن في ريف دمشق الغربي وتوغلت قوات إسرائيلية في ريفَيْ درعا والقنيطرة على مقربة من حدود الجولان [4] .
الأمثلة والحوادث السابقة، توضح أن تكرار هذه العمليات قد يؤدي إلى تطبيع الاختراق الخارجي للسيادة السورية وتحويل مناطق معينة من البلاد إلى مجالات أمنية تتصرف فيها قوى خارجية وفق تصوراتها الخاصة للتهديد.
كما أن ارتباط جزء من هذا النشاط بالوضع في الجنوب السوري وبالعلاقة مع بعض العناصر المسلحة في محافظة السويداء يضيف بُعداً آخر، يتمثل في إمكانية استخدام الانقسامات الداخلية أو المخاوف المجتمعية بوصفها مداخل للتأثير في القرار الأمني السوري.
2. تنظيم الدولة "داعش"
على الرغم من تراجُع القدرات الإقليمية لتنظيم الدولة داعش مقارنة بمرحلة سيطرته على مساحات واسعة من سوريا والعراق، فإنه لا يزال يمثل جزءاً رئيسياً من الأخطار الأمنية، خصوصاً بسبب قدرته على العمل من خلال الخلايا الصغيرة، مستفيداً من هشاشة وضعف السيطرة الأمنية في بعض المناطق.
برز هذا التهديد بشكل قوي في يوليو/ تموز 2026، عندما قام التنظيم بزرع عبوتين ناسفتين وتفجيرهما بمحيط مقر وزارة السياحة في العاصمة دمشق خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إليها، وقد تمكنت قوات الأمن من اعتقال المتورطين في مناطق القطيفة، والسيدة زينب، وضاحية قدسيا، وعش الورور بريف دمشق [5] .
لذلك فإن خطر التنظيم يتمثل بقدرته على استنزاف الدولة أمنياً، وضرب مؤسساتها الناشئة، وأيضاً تقليل عوامل الثقة لدى المؤسسات الدولية للانخراط بأيّ مشاريع مستقبلية في سوريا، وهو يحاول التأقلم مع المعطيات الجديدة بعدم قدرته على فرض السيطرة على جيوب محددة بعينها والانتقال نحو شنّ هجمات خاطفة بتوقيت ومواقع حسّاسة عبر خلاياه مما يضع الأجهزة الأمنية والعسكرية في حالة تأهُّب مستمرة على الرغم من القدرات المحدودة.
3. أزمة محافظة السويداء
تشكل السويداء حالة مختلفة عن التهديدات السابقة؛ فهي لا تمثل ببساطة تمرداً مسلحاً بالمعنى التقليدي، وإنما تكشف عن أزمة أعمق تتعلق بمدى قدرة الدولة على فرض سلطتها الشرعية دون تحويل الصراع السياسي والاجتماعي إلى صراع هُوِيّاتي.
وقد تصاعدت الأزمة بصورة كبيرة في يوليو/ تموز 2025، عندما اندلعت مواجهات بين فصائل درزية ومجموعات من البدو، قبل أن تتدخل القوات الحكومية، الأمر الذي أدى إلى اتساع دائرة العنف، كما دعا الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز المرجعيات الدرزية، المقاتلين المحليين إلى مواجهة القوات الحكومية، بينما تدخلت إسرائيل عسكرياً وضربت مواقع لقوات حكومية بذريعة حماية الدروز [6] .
ما سبق دفع عدة أطراف خارجية للتدخل من أجل فرض وقف لإطلاق النار [7] ، ما صوّر الدولة السورية على أنها طرف في اتفاق وليست جهة مخولة بفرض الأمن والسيادة على كافة الأراضي السورية، وهذا الأمر مرتبط بتعقيدات السياسات الأمنية الإسرائيلية في جنوب سوريا بما في ذلك محافظة السويداء بعد سقوط النظام البائد.
4. فلول النظام
استمرار نشاط فلول النظام البائد تحمل طابعاً من التهديد على عملية الانتقال السياسي، فبعد سقوط النظام في ديسمبر/ كانون الأول 2024، لم تختفِ بصورة كاملة الشبكات الأمنية والعسكرية التي ارتبطت به، وإنما احتفظت بعض المجموعات بقدرات على التنظيم والتخفي وتنفيذ الهجمات، ولا سيما في المناطق الساحلية.
وقد ظهر ذلك بصورة واضحة في مارس/ آذار 2025، عندما تعرضت القوات التابعة للحكومة لهجمات في اللاذقية وطرطوس ومناطق أخرى من الساحل، من قِبل عناصر مرتبطة بالنظام السابق، وعلى إثرها بدأت القوات السورية عمليات أمنية وعسكرية واسعة أدت لاحتواء الأخطار بصورة نسبية [8] .
لكن مع ذلك تزداد خطورة هذا النوع من التهديدات عندما يتداخل البُعد الأمني مع البُعد المجتمعي والطائفي، إذ يمكن للخلايا المرتبطة بالنظام السابق أن تستفيد من مخاوف بعض المجتمعات المحلية أو من حالة عدم الثقة بالدولة لتوفير بيئة حاضنة أو مساحة للحركة، بالإضافة إلى ذلك فإن هناك شخصيات مرتبطة بالمنظومة الأمنية السابقة تحاول من الخارج إعادة بناء شبكات تمرد داخل سوريا.
ومن منظور الأمن القومي، فإن المشكلة لا تكمن فقط في احتمال وقوع هجمات مسلحة، وإنما في احتمال تحول هذه الخلايا إلى عامل دائم لاستنزاف الدولة وإبقاء بعض المناطق في حالة توتر أمني، كما أن استمرار نشاطها يمكن أن يعرقل عملية دمج العسكريين السابقين وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية، ويمنح القوى الخارجية أو الفاعلين المحليين ذريعة للتدخل في المناطق الهشة.
5. ملف قوات سوريا الديمقراطية
شهد مسار ملف قوات سوريا الديمقراطية انعطافة مهمة في التصور الكلي للأمن في سوريا، حيث أعلن مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية في أواخر أغسطس/ آب 2026 حلها باعتباره جزءاً من عملية الاندماج في مؤسسات الدولة العسكرية [9] .
بَيْدَ أن اكتمال الإعلان عن الاندماج لا يعني بالضرورة اكتمال توحيد القوة فعلياً، إذ لا تزال قضايا القيادة والانتشار والترتيبات الخاصة ببعض الوحدات بحاجة إلى معالجة، ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية من لحظة إعلان الحل نفسها.
ومن زاوية الأمن القومي السوري، فإن نجاح هذا المسار سيكون له تأثير يتجاوز شمال شرق البلاد خصوصاً إن إعادة توحيد القوة المسلحة تحت سلطة الدولة تعني عملياً استعادة أحد أهم شروط السيادة، أما فشل الاندماج، أو بقاء تشكيلات مسلحة مستقلة بصورة فعلية رغم حلها الرسمي، فقد يؤدي إلى إعادة إنتاج مشكلة ازدواجية السلطتين الأمنية والعسكرية.
6. تداعيات الحرب الإيرانية
تفرض الحرب الإقليمية المرتبطة بإيران تحدياً مختلفاً للأمن القومي السوري، إذ إن سوريا تجد نفسها في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب مع اتساع نطاق الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، وما ترتب عليها من اضطراب في طرق التجارة والطاقة والمجال الجوي الإقليمي.
تتمثل المخاطرة الإستراتيجية الأساسية في احتمال تحوُّل الأراضي السورية مجدداً إلى ساحة للتنافس الإيراني الإسرائيلي أو إلى ممر للعمليات العسكرية والاستخبارية، وهذا الأمر يمثل تحدياً مباشراً لمبدأ حياد الدولة في الصراعات الإقليمية، كما يفرض عليها تطوير سياسة واضحة تجاه القوى الإقليمية، تمنع استخدام أراضيها ضد الآخرين وفي الوقت نفسه تمنع تحويلها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
كما أن الحرب الإيرانية تحمل أبعاداً اقتصادية وأمنية متداخلة، فاضطراب حركة الطاقة والشحن وارتفاع تكاليف النقل وتغير مسارات التجارة يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد السوري الذي ما يزال في مرحلة إعادة البناء، وبالمقابل، يمكن للموقع الجغرافي لسوريا أن يتحول إلى عنصر قوة إذا نجحت الدولة في استعادة أمن طرقها البرية والجوية والبحرية وتحويل موقعها إلى جزء من شبكات التجارة والطاقة الإقليمية.
7. أمن الحدود
من العناصر المهمة التي ينبغي إضافتها إلى قائمة الأخطار الأمنية السورية، خطر الجريمة المنظمة وشبكات التهريب والاقتصاد غير المشروع؛ لأنه يمكن أن يتحول إلى بنية اقتصادية موازية تنافس الدولة في بعض المناطق وتفرض شبكات أمنية موازية لحماية هذه الأنشطة.
وتكشف طبيعة الأنشطة التي يُعلن عن ضبطها من قبل الدولة أن هناك شبكات عابرة للحدود لا تزال تنشط في قضايا تهريب السلاح والذخائر والمخدرات، وهذه الشبكات ذاتها كان لها تحرك ونفوذ قوي في زمن النظام السابق حيث كانت تتدخل في إدارتها الأجهزة الأمنية لجر منافع مالية وامتلاك أوراق ضغط على دول الجوار ولدعم أطراف موالية للنظام، وعلى سبيل المثال أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية في يوليو/ تموز 2026 عن ضبط 226 قنبلة من نوع RGC، وقبلها بأيام أحبطت محاولة تهريب صواريخ بعيدة المدى وصواريخ مضادة للدروع وطائرات مسيّرة كانت متجهة من الأراضي العراقية إلى حزب الله في لبنان [10] .
لذلك فإن ملف التهديد الحدودي مرتبط بمسألة أبعد من عمل شبكات إجرامية وإنما قد ترتبط بدوافع سياسية تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد، وفرض تكاليف أمنية باهظة للعمليات الأمنية لمكافحة التهريب لدى دول الجوار وهذا من شأنه أن يترجم إلى أعباء دبلوماسية على الدولة.
ثانياً: تقييم البيئة الأمنية السورية
الدولة لا تواجه خطراً خارجياً مستقلاً عن بيئتها الداخلية، ولا تواجه التهديدات الداخلية بمعزل عن التدخلات الإقليمية والدولية، وأحد أبرز خصائص البيئة السورية الراهنة هو أن الحدود بين التهديد الداخلي والخارجي أصبحت شديدة السيولة، بحيث يمكن لأزمة داخلية أن تتحول إلى مدخل لتدخل خارجي، ويمكن لصراع إقليمي أن يعيد تنشيط جماعات محلية. وعليه من أجل بناء تصور واقعي للأمن القومي السوري لا بد من حصر الأخطار وتقييمها واتجاهاتها المستقبلية ودرجتها وَفْق الآتي:
1. يمثل العامل الإسرائيلي في البيئة الأمنية السورية خطراً إستراتيجياً طويل الأمد أكثر من كونه مجرد مصدر لهجمات عسكرية متقطعة على اعتبار أن المشكلة الأساسية بالنسبة تتمثل باستمرار قدرة إسرائيل على العمل داخل المجال السوري، عسكرياً واستخبارياً، في مرحلة تسعى فيها دمشق إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية واستعادة احتكارها للسيادة.
أيضاً أحد أوجه التأثير الأخرى هو احتمال ارتباط الأمن الإسرائيلي بالتركيبة الداخلية للجنوب السوري فإذا استمر تقديم التدخل الإسرائيلي باعتباره حماية لمجموعة إثنية، فإن ذلك يمكن أن يخلق علاقة مباشرة بين جماعات محلية وقوة خارجية، وهو ما قد يضعف المركز ويزيد من قابلية البيئة السورية للانقسام.
أيضاً من الوارد أن عملية إعادة بناء الجيش السوري ستتأثر سلباً بسياسات تل أبيب؛ لأن الحسابات الأمنية والعسكرية الإستراتيجية لصانع القرار السوري ستوجه جزءاً من موارد القوات النظامية نحو إدارة الخطر الإسرائيلي.
وبالتالي فإن اتجاه الخطر الإسرائيلي يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدولة السورية على تحقيق معادلة صعبة تتمثل باستعادة سيادتها تدريجياً من دون الدخول في مواجهة عسكرية لا تملك شروطها، واستخدام التفاوض لتقليص مساحة التدخل الإسرائيلي من دون تحويل الترتيبات الأمنية إلى قيود دائمة على السيادة السورية.
2. يختلف خطر تنظيم الدولة عن الخطر الإسرائيلي من حيث طبيعته، لكنه قد يكون أكثر خطورة على الاستقرار الداخلي المباشر للدولة في المدى القصير كون أن التنظيم لا يحتاج إلى السيطرة على مدن أو أراض واسعة حتى يكون مؤثراً، بل يستطيع تحقيق أهدافه من خلال عمليات محدودة ضد قوات الأمن والجيش وعمليات اغتيال واستنزاف مستمر.
وعليه فإن النهج الحالي للتنظيم من الممكن أن يكون قادراً على إضعاف الدولة، كما أنه يسعى لجعلها تبدو عاجزة عن حماية قواتها ومراكزها الأمنية، لذلك فإن الأثر السياسي للهجمات لديه أكبر من تداعياتها العسكرية المباشرة.
3. يمثل ملف السويداء أحد أكثر التهديدات تعقيداً؛ لأنه يجمع في الوقت نفسه بين البُعد الأمني والسياسي والمجتمعي والإقليمي، كما أن استمرار الوضع القائم المتمثل باعتبار السويداء جزءاً من الجغرافيا السورية وهي لا تخضع لإدارة الدولة أمنياً وعسكرياً تُعَدّ معادلة صعبة الاستمرار حتى إنْ توقف نطاق الاستهداف لكنه سيبقى كنَارٍ تحت الرماد من الممكن أن تشتعل في أيّ وقت تحت تأثير أيّ ضغوط داخلية أو خارجية.
4. بقايا النظام السابق لم تَعُدْ تمتلك الدولة أو المؤسسات التي كانت تحميها، لكنها تحتفظ ببعض الموارد البشرية والشبكات المالية والعسكرية والاجتماعية التي يمكن استخدامها في عمليات تمرد أو تخريب، لذلك إن التهديد يمكن أن يتحول من مشروع لاستعادة السلطة إلى مشروع استنزاف الدولة، أيْ أن الهدف قد لا يكون إسقاط الحكومة، وإنما إبقاء الساحل أو مناطق معينة في حالة اضطراب، وخلق احتقان طائفي.
5. إقليمياً كانت الأراضي السورية خلال المرحلة السابقة جزءاً من شبكة النفوذ الإيراني، واستخدمت ضِمن مسارات نقل السلاح والقوات والموارد المرتبطة بإيران وحلفائها، أما الدولة السورية الحالية فتحاول إعادة تعريف موقعها الإقليمي على أساس مختلف، الأمر الذي يجعل استمرار الحرب الإيرانية عاملاً يمكن أن يفرض عليها خيارات أمنية لم تكن ترغب بالضرورة في اتخاذها.
وبناءً على ما سبق، يمكن تصنيف الحرب الإيرانية باعتبارها متغيراً إستراتيجياً مرتفع التأثير لكنه غير ثابت الاتجاه بالنسبة إلى سوريا، فحجم الخطر السوري الناتج عنها سيتحدد بدرجة كبيرة بقدرة دمشق على الحفاظ على استقلال قرارها ومنع انتقال الصراع إلى أراضيها.
6. فيما يتعلق بملفّ قوات سوريا الديمقراطية، إذا نجحت عملية الاندماج، فستكون النتيجة واحدة من أهم مكاسب الأمن القومي السوري منذ سقوط الأسد؛ لأنه يمثل استعادة الدولة لجزء كبير من أراضيها ومواردها وحدودها ومؤسساتها العسكرية.
أما إذا فشلت، فيمكن أن تعود مشكلة تعدُّد مراكز القوة، وتعود معها احتمالات التدخل الخارجية، وبالتالي فإن هذا الملف ينتقل من خانة التهديد العسكري المباشر إلى خانة اختبار قدرة الدولة على إعادة دمج مكونات كانت خارج بنيتها المؤسسية.
بناءً على ما سبق، إن البيئة الأمنية السورية ليست بيئة تهديد واحد، وإنما بيئة مركبة، لذلك فإن الخطر المركزي الذي يجب أن ينطلق منه الإطار الإستراتيجي للأمن القومي السوري هو هشاشة الأمن خلال مرحلة إعادة البناء، لذلك سوريا لا تحتاج إلى إستراتيجية تتعامل مع كل خطر على حِدَةٍ، بل إلى إطار قادر على معالجة الأسباب التي تسمح لهذه الأخطار بالتفاعل.
ثالثاً: الإطار الإستراتيجي للأمن القومي السوري
1. محددات التعريف
استمرار الأخطار الأمنية وتوسعها يحيل إلى إعادة بناء مفهوم الأمن القومي السوري انطلاقاً من قطيعة مفاهيمية مع الإرث الذي اختزل الأمن في حماية السلطة السياسية. فالأمن القومي للدولة لا ينبغي أن يُقاس بقدرتها على منع التحدي السياسي للسلطة أو إخضاع المجتمع، وإنما بقدرتها على حماية وجود الدولة ومواطنيها ومصالحها الحيوية وسيادتها واستقرارها وقدرتها على اتخاذ القرار المستقل.
وعليه يمكن اعتبار أن الأمن القومي السوري يجب أن يمثل منظومة متكاملة من السياسات والقدرات والإجراءات التي تهدف إلى حماية الدولة السورية بحيث تكون الدولة والمجتمع والمواطن والسيادة والمصلحة الوطنية عناصر مترابطة في منظومة واحدة.
وتجدر الإشارة إلى أن حماية الدولة لا تعني بالضرورة حماية الحكومة القائمة؛ لأنها مؤسسة من مؤسسات الدولة، ويمكن أن تتغير وفقاً للقواعد السياسية والدستورية، بينما الدولة كيان مستمر يتجاوز الحكومات والأشخاص.
2. فرض السيادة
لا يمكن بناء أمن قومي حقيقي في ظل تعدُّد مراكز القوة المسلحة أو وجود مناطق لا تخضع بصورة فعلية للسلطة المركزية أو قدرة قوى خارجية على فرض ترتيبات أمنية داخل الأراضي السورية. ولذلك فإن استعادة السيادة ليست مجرد قضية قانونية أو دبلوماسية، وإنما هي شرط أساسي للأمن القومي.
كما أنه لا يمكن لدولة متعددة الأديان والطوائف والقوميات والمناطق أن تبني أمناً قومياً مستقراً إذا شعرت جماعة معينة بأن الدولة تمثل جماعة أخرى، وهذا ليس مجرد مبدأ أخلاقي؛ بل هو ضرورة أمنية؛ لأن المجتمع الذي يشعر جزء منه بأن الدولة لا تحميه سيكون أكثر قابلية للبحث عن حماية بديلة، سواء من جماعة محلية أم قوة خارجية أم تشكيل مسلح.
وما سبق من الممكن أن يعيد بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات الأمنية، وأن يجعل المواطن يرى رجل الأمن باعتباره موظفاً عاماً مكلفاً بحماية القانون والمواطنين، وليس لحماية السلطة السياسية في مواجهة المجتمع.
3. ضبط النهج الأمني بالقانون
الأمن الذي لا تحكمه قواعد قانونية واضحة يتحول سريعاً إلى سلطة تقديرية يمكن استخدامها بصورة انتقائية، وفقاً لديناميكيات مراكز النفوذ والسلطة، وهذا الأمر في الحالة السورية بالغ الأهمية تحديداً؛ لأن أحد أخطر عناصر الإرث السابق كان تحويل الأمن إلى مساحة واسعة من الصلاحيات الاستثنائية، حيث كان النظام يعمل على إخضاع القانون للمتطلبات الأمنية في حين أن الأمن يقتضي إخضاعه للقانون.
فكلما توسعت الصلاحيات الأمنية خارج القانون تراجعت الشرعية. وكلما تحولت المؤسسات الأمنية إلى أدوات سياسية فقدت مهنيتها. وكلما غابت المساءلة أصبحت احتمالات إساءة استخدام القوة أعلى.
4. أولويات المصالح
بعد عقود أصبحت فيها سوريا جزءاً من صراعات ومحاور إقليمية متعددة وتجاذب مصالح للدول الكبرى، ربما تكون هناك حاجة مُلِحّة إلى وضع الآليات الملائمة للانسحاب من هذا التموضع عَبْر تجنيب الدولة من أن تصبح جزءاً دائماً من صراع إقليمي لا يخدم مصالحها.
وما سبق لا يعني عدم استخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية للاستثمار إيجابياً بالأحداث، لا سيما أن سوريا في خضم التحوُّلات الحالية لديها فرصة كبيرة بأن تؤدي دوراً جيواقتصادياً في مسار التجارة العالمية وطرق الإمداد، ولكن البناء الإستراتيجي لمحدِّدات سياسية خارجية طويلة المدى وخطوطاً حمراء، من الممكن أن يضبط إيقاع ديناميكيات تفاعل الدولة مع الأحداث المحيطة بها.
أيضاً ينبغي في هذا الصدد أن يتم اعتبار السيطرة على الحدود السورية جزءاً مركزياً من إستراتيجية الأمن القومي، لا باعتبار الحدود خطوطاً جغرافية فقط، وإنما باعتبارها منظومة أمنية متكاملة تشمل المعابر الرسمية، والمراقبة الإلكترونية، والاستخبارات الحدودية، ومكافحة الشبكات المالية، والتنسيق مع الدول المجاورة.
5. الربط بين الأمن والاستقرار والتنمية
الدولة التي لا تستطيع تأمين الغذاء والطاقة والعمل والخدمات الأساسية ستظل مُعرَّضة لاضطرابات داخلية حتى لو امتلكت أجهزة أمنية قوية؛ ولذلك فإن الاقتصاد ليس ملفاً منفصلاً عن الأمن القومي، فالقدرة الاقتصادية للدولة تحدد إلى حد كبير قدرتها على تمويل مؤسساتها، وضبط حدودها، وإعادة بناء بنيتها التحتية، واستيعاب مواطنيها، وتقليل اعتمادها على الخارج.
رابعاً: الخلاصة
مستقبل الأمن القومي السوري سيتحدد بقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة تثبيت وجودها إلى مرحلة امتلاك القدرة على تحديد بيئتها الإستراتيجية والتأثير فيها خصوصاً أن المعادلة السورية لم تَعُدْ محكومة بتهديد واحد، وإنما بتوازنات إقليمية وداخلية متحركة ستجعل الأمن القومي عملية مستمرة لإدارة القوة والأخطار والمصالح.
وعلى المدى البعيد، ستتراجع أهمية بعض التهديدات الحالية، بينما ستظهر تهديدات جديدة مرتبطة بموقع سوريا الإقليمي وبمواردها وبعلاقاتها مع القوى المحيطة بها، وسيكون معيار القوة الحقيقي للدولة هو قدرتها على تحويل موقعها الجغرافي وثقلها السكاني ومواردها إلى عناصر قوة سياسية وإستراتيجية بدلاً من بقائها عوامل جذب للصراعات الخارجية.
[1] "الرئيس الشرع: سوريا تسير نحو الاستقرار.. نطالب إسرائيل بالالتزام باتفاق فضّ الاشتباك"، الوكالة العربية السورية للأنباء سانا، 6 ديسمبر/ كانون الأول 2025. الرابط
[2] "غارات إسرائيلية على مواقع عسكرية سورية في حمص واللاذقية"، الجزيرة نت، 9 سبتمبر/ أيلول 2026. الرابط
[3] "سوريا تدين الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور بريف إدلب"، الإخبارية السورية، 18 أغسطس/ آب 2026. الرابط
[4] "قصف إسرائيلي على أطراف بلدة بيت جن وتوغل في ريفَيْ درعا والقنيطرة"، الجزيرة نت، 28 أغسطس/ آب 2026. الرابط
[5] "اعتقال خلية "تفجيرات دمشق" وأدلة على ارتباطها بتنظيم الدولة"، الجزيرة نت، 10 يوليو/ تموز 2026. الرابط
[6] “Israel strikes Syrian city, vows to protect Druze from government forces”, Reuters, 15 July 2025. Link
[7] “US envoy says Syria and Israel agree to ceasefire as Druze minority and Bedouin clans clash in Syria”, Associated Press, 19 July 2025. Link
[8] "ماذا حدث في الشمال السوري؟ تعرف على التفاصيل"، الجزيرة نت، 8 مارس/ آذار 2025. الرابط
[9] "مظلوم عبدي يعلن رسمياً حل قسد وجميع التشكيلات التابعة لها"، الإخبارية السورية، 25 أغسطس/ آب 2026. الرابط
[10] "للمرة الثانية خلال أسبوع.. الجمارك السورية تحبط تهريب ذخيرة إلى لبنان"، الجزيرة نت، 21 يوليو/ تموز 2026. الرابط




