انسحاب التحالُف من العراق فرصة لبغداد أمْ مُخاطرة أمنية؟

انسحاب التحالُف من العراق فرصة لبغداد أمْ مُخاطرة أمنية؟

2026-08-26
1156 مشاهدة

أوضح رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي في 24 أغسطس/ آب 2026 أن العراق سيعلن اكتمال سيادته على كامل أراضيه في 30 سبتمبر المقبل، مع انسحاب قوات التحالف الدولي من البلاد.

وهذا الحدث وفق المسار المُعلَن حتى الآن، لا يبدو مجرد إجراء عسكري لإنهاء مهمة بدأت في مواجهة تنظيم الدولة داعش، بل يُمثّل انتقالاً في طبيعة العلاقة الأمنية بين بغداد ودول التحالف التي دعمته لسنوات طويلة.

ويبدو أن خُطّة الانسحاب من العراق تسير باتجاه استكمالها في الموعد المحدد، مع انتقال العلاقة من الوجود العسكري للتحالف إلى صيغ ثنائية مع بغداد في أُطُر التعاون الأمني والتدريب وتبادُل المعلومات.

المشكلة الأساسية ليست في قدرة القوات العراقية على إدارة الأمن بالمعنى التقليدي، وإنما في تحوُّل طبيعة البيئة الأمنية بعد الانسحاب؛ فالقوات العراقية راكمت خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في مكافحة داعش، كما أن المهمة الأمريكية نفسها كانت قد تقلّصت تدريجياً من العمليات القتالية إلى التدريب والاستشارة، وهذا يعني أن خروج التحالف من المستبعَد أن يؤدي إلى فراغ أمني شبيه بما كان قائماً قبل سنوات، لكنه يقلّص في المقابل مِظلّة الردع والقدرات التقنية والاستخبارية التي كانت متاحة للقوات العراقية.

لكن الجانب الأكثر حساسية يتعلق بحصر السلاح، لأن إنهاء الوجود العسكري للتحالف يتزامن، وفق التصريحات العراقية مع محاولة وضع إطار زمني لإنهاء ظاهرة السلاح الخارج عن السيطرة المباشرة للدولة.

بالتالي تظهر فجوة بين الإعلان السياسي وإمكانية التنفيذ؛ لأن الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران ليست مجرد مجموعات عسكرية منفصلة يمكن جمع أسلحتها بقرار إداري، بل تمتلك بنى تنظيمية وسياسية واقتصادية، وبعضها منخرط في المؤسسات الرسمية أو يتمتع بتمثيل سياسي ونفوذ داخل الدولة.

لذلك فإن احتمال فشل خُطّة حصر السلاح بصيغتها الكاملة قبل أو بالتزامن مع انسحاب التحالف يبقى مرتفعاً، ليس بالضرورة لأن الحكومة عاجزة عن إصدار قرار، بل لأن تنفيذ القرار يحتاج إلى ميزان قوة داخلي يسمح بفرضه.

والفارق في هذه الحالة مهم بين حصر السلاح قانونياً وحصره فعلياً، حيث يمكن للدولة أن تؤكد أن جميع الأسلحة يجب أن تكون تحت سلطتها، لكن ذلك لا يعني أن القوى المسلحة ستتخلى عن قدراتها لمجرد صدور موقف سياسي، وإذا لم تكن هناك آليّة متوافَق عليها لإعادة دمج المقاتلين وتنظيم وضعهم القانوني والعسكري وضبط مصادر تمويلهم وقرارهم العملياتي، فقد يتحوّل الحصر إلى عملية إعادة توصيف للسلاح بدلاً من إنهاء استقلاليته.

وتزداد صعوبة المسألة بسبب أن بعض الفصائل لا تنظر إلى سلاحها باعتباره مرتبطاً حصراً بالداخل العراقي، فجزء من شرعية هذه الجماعات -كما تقدمها هي- يقوم على مواجهة تهديدات خارجية وعلى مفهوم أوسع للأمن الإقليمي.

وبالتالي فإن إنهاء الوجود الأمريكي في العراق يزيل أحد أبرز المبرِّرات السياسية التي استخدمتها الفصائل للاحتفاظ بالسلاح، لكنه لا يلغي بالضرورة المبرِّرات الأخرى المرتبطة بالصراع الإقليمي، وهذا يخلق مفارقة تتمثل بأنه كلما اقترب موعد انسحاب التحالف، أصبح من الصعب على الفصائل الاستمرار في تقديم الوجود الأمريكي داخل العراق باعتباره السبب الوحيد لاستمرار تسليحها، لكن في الوقت نفسه يمكنها الانتقال إلى خطاب جديد يربط السلاح بحماية العراق من أخطار إقليمية أو بمواجهة إسرائيل والولايات المتحدة خارج الحدود العراقية.

وبناءً على ما سبق تبرز إيران باعتبارها عاملاً مؤثراً في البيئة التي ستجري فيها عملية حصر السلاح، وتشير المعطيات على الساحة الأمنية إلى أن الشبكة الإقليمية المرتبطة بإيران تمر بمرحلة إعادة تنظيم بعد التغيُّرات التي أصابت موقع حلفائها في سوريا ولبنان، مع تزايُد الأهمية النسبية للعراق واليمن داخل هذه الشبكة، وعلى إثر ذلك أصبحت الفصائل العراقية أكثر أهمية بالنسبة إلى طهران في ظلّ إعادة ترتيب شبكة حلفائها الإقليميين.

وهذه النقطة تجعل توقيت انسحاب التحالُف شديد الحساسية، فإذا كان العراق قد دخل مرحلة تتراجع فيها الحاجة العملياتية إلى القوات الأمريكية، فإن البيئة الإقليمية في المقابل أصبحت أكثر توتُّراً، وقد شهد العراق بالفعل خلال الفترة الأخيرة هجمات وضربات متبادلة مرتبطة بالفصائل الموالية لإيران.

ويمكن اعتبار أنه بعد الانسحاب، يمكن أن ينخفض خطر الاحتكاك المباشر بين القوات الأمريكية والفصائل داخل العراق، لكن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض مستوى التهديد، فإذا بقيت قدرات الفصائل المسلحة من دون تغيير، فقد تنتقل الأخطار من مواجهة مباشرة مع القوات الأجنبية إلى منافسة داخلية على القرار الأمني، أو إلى استخدام الأراضي العراقية في صراعات إقليمية.

وعليه فإن السيناريو الأكثر احتمالاً ليس نجاحاً كاملاً وسريعاً في حصر السلاح ولا انهياراً أمنياً فورياً بعد الانسحاب، والأرجح هو مرحلة انتقالية طويلة تحاول خلالها بغداد تثبيت احتكارها التدريجي للقرار الأمني، فيما تسعى الفصائل إلى الحفاظ على جزء أساسي من قدراتها مع إعادة تقديم دورها ضِمن المؤسسات الرسمية.