المشهد التونسي بين تصاعُد الاحتجاجات وسياسات السلطة

المشهد التونسي بين تصاعُد الاحتجاجات وسياسات السلطة

2026-09-24
1540 مشاهدة
Download PDF

مقدمة  

تُواجه تونس في الآونة الأخيرة حزمة من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتزايدة التي ألقت بظلالها الثقيلة على الحياة اليومية للمواطنين، بالتوازي مع تضييق متصاعد ومستمر من قِبل السلطات الحاكمة على المجالين السياسي والمدني.  

وقد انعكس هذا المزيج المعقد في عودة التحركات الاحتجاجية بوتيرة مرتفعة في مختلف الجهات، بعد أن تداخلت المظالم الاقتصادية والمعيشية، والمتمثلة بتفاقم ظاهرة البطالة المزمنة بين الشباب، وارتفاع معدلات التضخم وتراجُع القدرة الشرائية، إلى جانب النقص المتكرر في السلع والمواد الأساسية، مع حالة من الاحتقان الناجم عن تصاعُد القمع السياسي، لتُفضي هذه العوامل مجتمعة إلى تشكيل موجة جديدة ومتجددة من الغضب الشعبي والاحتجاجات الميدانية.  

في حين جاءت استجابة السلطات التونسية للوضع الراهن باستخدام المزيد من سياسات التضييق حيث توسعت في شن الملاحقات واستخدام قوانين أمنية صارمة وتشريعات واسعة النطاق مخصصة لمكافحة الإرهاب وغسل الأموال، إلى جانب تنظيم محاكمات جماعية واستصدار أحكام مشددة، وإقرار تدابير وإجراءات إدارية وقانونية تستهدف تقويض قدرة النقابات الاجتماعية المستقلة والتضييق على أنشطتها، إلى جانب شلّ حركة أحزاب المعارضة وتحجيم حضورها في الشارع.  

لذلك تكمن أهمية هذه المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد في محاولة فهم مسار الاحتجاجات القادمة، وما إذا كانت ستتخذ طابعاً جديداً وبنية مختلفة من حيث التنسيق والتعبئة والتحشيد ضد خيارات السلطة.  

ويأتي هذا التساؤل في ظلّ التراجع الملحوظ لتأثير الأحزاب السياسية المعارضة وقدرتها على تحريك الشارع نتيجة التضييق الأمني والملاحقات التي طالت قياداتها، وهو ما فسح المجال لبروز الدور المحوري للنقابات الاجتماعية والمنظمات الحقوقية في تنظيم الحراك الميداني وقيادة الشارع المناهض لسياسات الحكومة، الأمر الذي فرض على السلطة التعامل مع خيارات حراك متصاعد ذي صبغة اجتماعية ومطلبية جليّة تفوق في زخمها وشعبيتها الطابع السياسي التقليدي.  

أولاً: توصيف المشهد السياسي  

نشأت الاحتجاجات التي تصاعدت خلال النصف الثاني من عام 2025 واستمرت حتى الآن عن تضافر عدة عوامل ترتبط بالضغوط الاقتصادية المتراكمة، والتصعيد المتسارع في حملة القمع السياسي التي أغلقت ما تبقى من قنوات المعارضة السلمية.  

وقد شكلت الظروف الاقتصادية أساس حالة السخط الشعبي، حيث ظل النمو الاقتصادي الضعيف الذي بلغ 2.7% في عام 2025، و2.4% في النصف الأول من عام 2026. وهي معدلات ليست كافية لاستيعاب قوة عمل شابة تواجه معدلات بطالة بلغت نحو 15% [1] .  

كما أصبحت حالات النقص في الأدوية والمواد الغذائية الأساسية، إلى جانب عدم انتظام خدمات المرافق العامة، جزءاً متكرراً من الحياة اليومية، وشهد صيف عام 2026 انقطاعات حادة في المياه والكهرباء بالتزامن مع موجات حر شديدة [2] .  

وأعادت هذه الضغوط المادية إحياء الخطاب المرتبط بثورة 2011، إذ استعاد المحتجون مطالب العمل والكرامة الوطنية وإنهاء حالة الفشل المؤسسي. غير أن العامل الذي أسهم بصورة حاسمة في تصعيد الاحتجاجات خلال أواخر عام 2025 تمثل في الإجراءات القضائية بحق المنتقدين والمعارضين.  

ففي إبريل/ نيسان 2025، أصدرت محكمة تونسية أحكاماً بحق 37 متهماً، من بينهم سياسيون معارضون ومحامون ونشطاء ورجال أعمال، تراوحت بين أربع سنوات و66 عاماً، على خلفية اتهامات بالتآمر على أمن الدولة والإرهاب [3] . وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، أيدت محكمة الاستئناف في تونس إدانة 34 متهماً وفرضت عليهم أحكاماً بالسجن تتراوح بين خمس سنوات و45 عاماً، بعد إجراءات شابتها انتهاكات جسيمة للحق في محاكمة عادلة [4] .  

وبناء على ذلك تُظهر الإحصائيات أن نسق التحركات الاحتجاجية شهد ارتفاعاً ملحوظاً خلال الربع الثاني من عام 2026، والممتد من بداية شهر إبريل/ نيسان حتى نهاية شهر يونيو/ حزيران، حيث تم تسجيل 1884 تحركاً احتجاجياً، وتظهر هذه الأرقام زيادة بنسبة 44% مقارنة بالربع الأول الممتد من شهر يناير/ كانون الثاني حتى نهاية شهر مارس/ آذار من العام نفسه والذي شهد 1310 تحركات، وارتفاعاً بنحو 50% مقارنة بالربع الثاني من عام 2025 الذي سجل 1254 تحركاً [5] .  

من جهة أخرى، وفيما يتعلق بتعامل السلطات مع الاحتجاجات فقد جمعت الاستجابة الرسمية بين الخيارات الأمنية، والتصعيد القضائي، والضغط المؤسسي الانتقائي، بدلاً من تقديم تنازلات سياسية أو اقتصادية جوهرية، وقد عملت قوات الأمن بصورة متكررة على تفريق المظاهرات، واستخدمت القوة في بعض الحالات، بينما قدمت السلطات المحتجين والمنظمين باعتبارهم أدوات لمؤامرات أجنبية أو تهديدات داخلية.  

كما شهدت العلاقة بين السلطة والنقابات الاجتماعية بما في ذلك الاتحاد العام التونسي للشغل النقابة الأبرز التي تمثل الحراك العمالي في تونس تدهوراً حاداً، حيث قررت السلطة وقف آلية الاقتطاع المباشر لاشتراكات الأعضاء من رواتبهم لصالح الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو ما تسبب في حرمان المنظمة النقابية من مواردها المالية الرئيسية، وأدى هذا القرار إلى دخول الاتحاد في أزمة مالية حادة عقب تراجُع إيراداته بنسبة تجاوزت 70%.  

وبالتوازي مع الأزمة المالية، سُجلت ملاحقات قضائية وسجن لعدد من القيادات النقابية على المستويين الجهوي والقطاعي بتهم تتصل بالفساد، الأمر الذي أثار حالة من الخوف في أوساط باقي النقابيين، وضعفاً في قدرة القيادة المركزية على التعامل مع التطورات والتحولات المتسارعة المتصلة بنشاط المنظمة [6] .  

وبناءً على ذلك، ركزت الاستجابة الرسمية للسلطة على تعزيز طبيعة النظام المتمركز بشدة حول مؤسسة الرئاسة وصلاحياتها، وقد جرى ذلك في ظل استمرار تجاهل المشكلات الهيكلية والتغافل عن مواطن الضعف الاقتصادية الأساسية التي تعاني منها البلاد، دون تقديم معالجات جذرية أو حلول واقعية تخفف من حدة الأزمة المعيشية والضغط الاجتماعي المتصاعد لاحتواء المطالب الاحتجاجية المتصاعدة.  

ثانياً: الفاعلون في المشهد المناهض للحكومة  

تتوزع القوى المناهضة لسياسات الرئيس قيس سعيّد على عدة جهات لم تصل إلى مرحلة التنظيم الموحد أو المشروع السياسي المشترك، وأبرزها ما يلي:  

- تتشكل الجهة الأولى من الأحزاب والشخصيات السياسية المعارضة، وفي مقدمتها جبهة الخلاص الوطني التي تضم أطيافاً مختلفة، إلى جانب حركة النهضة والحزب الدستوري الحر وشخصيات مستقلة، وقد أدى تعرض عدد من قيادات هذه القوى للسجن والملاحقة القضائية، لا سيما في قضية التآمر التي شملت أسماء بارزة إلى إضعاف قدرتها على التنظيم والعمل العلني.  

- تتمثل الجهة الثانية في المحامين والنشطاء والمنظمات الحقوقية، وهي جهات لا تنطلق من مشاريع حزبية، بل تركز أجندتها على استقلال القضاء، وضمانات المحاكمة العادلة، وحرية التعبير، ووقف الملاحقات؛ وهو مسار اكتسب أهمية مضاعفة مع انتقال جزء كبير من الصراع السياسي إلى أروقة المحاكم.  

- الجهة الثالثة يمثلها الحراك النقابي الذي تقوده بصورة رئيسية النقابات المشكلة لاتحاد الشغل التونسي، وتختلف طبيعة مطالبها عن المعارضة الحزبية من حيث الأهداف والأدوات، فالأحزاب تسعى أساساً للمنافسة على السلطة، بينما يستند الاتحاد إلى قواعده العمالية الواسعة، والتفاوض الجماعي، وأدوات الضغط الاقتصادي كالإضرابات القطاعية التي تؤثر مباشرة في الخدمات والحياة العامة، وهي إمكانيات تتفوق على قدرة الأحزاب المعطلة بفعل القيود والمضايقات الأمنية.  

ومع ذلك تشهد المنظمة النقابية في الفترة الأخيرة حالة غير مسبوقة من الاستقطاب والانقسام الداخلي حيال كيفية التعاطي مع خيارات السلطة إذ يواجه المكتب التنفيذي للاتحاد انتقادات حادة من قواعده وشقاَ واسعاً من نقابييه الذين يرون في أداء القيادة تراجعاً أو مهادنة أمام تضييقات السلطة.  

ثالثاً: الديناميكيات المستقبلية المحتملة  

لا يزال مسار الوضع السياسي في تونس مرتبطاً بالتفاعل بين الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، وسياسات الحكومة، وقدرة القوى الاحتجاجية بالثبات على مطالبهم، وتبرز عدة معطيات وسيناريوهات للمشهد السياسي المقبل أهمها:  

- المسار الأول: انخفاض نسبة الحركة الاحتجاجية مع إمكانية ارتفاعها مجدداً  

يفترض هذا المسار الأكثر ترجيحاً أن تحافظ السلطة على هيمنتها من خلال القمع الانتقائي، والضغط على المعارضة عبر الأدوات القضائية، وتقديم تنازلات محدودة تُعطى للنقابات العمالية في الأجور أو الخدمات ضمن حد أدنى يحقق للسلطة عدم توسع الاحتجاجات.  

وبالنسبة للفاعلين في مشهد الحراك من الممكن في هذا السيناريو أن يحد الاتحاد العام التونسي للشغل -الذي أضعفته التحولات القيادية والضغوط التنظيمية- من نشاطه إلى حد كبير في نطاق المفاوضات القطاعية، فيما ستظل المعارضة السياسية المجزأة تحت تأثير الاعتقالات أو المنفى، وعليه ستنخفض وتيرة الحركة الاحتجاجية تدريجياً.  

وسوف تستمر الهياكل الصورية كالبرلمان ومجالس الجهات في أداء أدوارها كمؤسسة خاضعة للرئاسة، مع إبدائها أحياناً انتقادات بشأن تردي الخدمات، من دون أن يتحدى جوهر توزيع السلطة.  

ويحافظ هذا المسار على بقاء النظام في المدى القصير، لكنه يأتي على حساب مزيد من تآكل شرعية المؤسسات لا سيما المؤسسة القضائية التي باتت تستخدم المحاكمات كأداة ضغط سياسي لصالح السلطة، ويضاف إلى ذلك استمرار أداء الحكومة لدور جهاز تنفيذي للرئيس قيس سعيد أكثر من كونها صانعة قرارات وسياسات.  

لكن هذا لا يعني أن العوامل الكامنة وراء تحريك المظاهرات ستزول، بل ربما يكون المشهد الاحتجاجي في هذا السيناريو متراجعاً لكنه لا يعني أنه انتهى فربما يستعيد ذروته مجدداً لأي فتيل أزمة جديدة.  

- المسار الثاني: تكثيف سياسات القمع والانفجار الاجتماعي  

يتمثل في مزيد من التشدد السلطوي استجابة لتصاعد الضغوط، فإذا اتسعت الاحتجاجات، ولا سيما في حال نجاح إضراب عام في شل قطاعات رئيسية، أو انتشار أزمات الخدمات المحلية، فقد توسع السلطات نطاق استخدام التدابير الاستثنائية، وتزيد من الملاحقات بموجب القوانين الأمنية، وتفرض قيوداً إضافية على النشاط التنظيمي والمدني.  

وقد تسعى السلطة إلى دعم منظمات نقابية منافسة للحد من نفوذ الاتحاد العام التونسي للشغل، بالتزامن مع تشديد القيود على وسائل الإعلام والمجتمع المدني، مما سيزيد من عزلة السلطة خارجياً ويمنع عنها قنوات الدعم خصوصاً من الدول التي تأخذ مسألة حقوق الإنسان بعين الاعتبار لصياغة علاقاتها الدولية بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، مما سيؤدي بنهاية المطاف إلى زيادة أعباء الاقتصاد التونسي.  

وفي حال عدم نجاح آلة التصعيد القمعي في استتباب الأمر بيد السلطات، فقد تتجه الفواعل الاحتجاجية إلى مزيد من التنسيق والتحشيد كرد فعل على هذا النهج، وحينها قد تتطور الاحتجاجات إلى مستوى غير مسبوق يشمل فئات مختلفة من المجتمع، وقد يحيل ذلك المشهد السياسي إلى دفع المظاهرات إلى احتجاج منظم يطالب بالإطاحة بالسلطة.  

- المسار الثالث: حوار اجتماعي بعيداً عن الأحزاب  

قد تتجه الأوضاع في تونس إلى أزمة اجتماعية كبرى ناجمة عن تفاقم الأوضاع المعيشية، وقد تنشط على إثرها مظاهرات عفوية متفرقة جغرافياً تتجاوز قدرة الأجهزة الأمنية المحلية على احتوائها، مما سيدفع السلطة نحو خيار التفاوض لكن بشرط عدم مشاركة الأحزاب السياسية التي يرى فيها قيس سعيد الأداة التي يمكن أن تؤدي إلى تقليل نفوذه.  

وفي مثل هذه الظروف، قد تستعيد الحركة النقابية دوراً مركزياً في التنسيق وقيادة حوار اجتماعي، على غرار ما قامت به خلال في عام 2013، وستظل النتائج غير مؤكدة، وقد تتراوح بين تقديم تنازلات عبر التفاوض وإعادة فتح جزئية للمجال السياسي لتخفيف احتقان الشارع.  

وبين مزيد من الفوضى وتفتت السلطة وتوفر الذاكرة التاريخية لانتفاضة 2011 أدوات للتعبئة من جهة، ووعياً بتحمل تكاليف عدم الاستقرار المطول من جهة أخرى، ويرتفع احتمال هذا السيناريو إذا تباطأ النمو إلى ما دون المستويات المتوقعة، وتزايدت الضغوط المالية بما يقيد قدرة الدولة على دعم السلع الأساسية.  

رابعاً: الخاتمة  

تكشف الحالة السياسية في تونس منذ إجراءات 25 جويلية عن نتائج غير مكتملة لإعادة تركيز السلطة من جهة، والإرث غير المحسوم لمطالب الثورة التونسية من جهة أخرى، فقد أعادت حالة الركود الاقتصادي وتدهور الخدمات العامة والقمع السياسي إحياء مطالب شعبية مرتبطة بالكرامة والمساءلة. وبالنظر إلى المرحلة المقبلة، يظل مسار الحراك الشعبي العامل الأبرز في توجيه المشهد إما باتجاه فرض مقاربة توافقية لإدارة الأزمة، أو الامتداد نحو نقطة حرجة تفقد فيها أدوات الضغط الرسمية قدرتها على الضبط والاحتواء.  

 

 


 

[1] “World Bank: Stronger Water Management Could Unlock Growth, Protect Jobs, and Build Resilience in Tunisia”, World Bank, 22 September 2026.      Link  

[2] "انقطاع الكهرباء بتونس.. الشركة تعزوها لزيادة أحمال وسعيّد يتحدث عن أعمال مدبرة"، الجزيرة نت، 27 أغسطس/ آب 2026.      الرابط  

[3] "تونس: أحكام قاسية في المحاكمة الصورية في "قضية التآمر"، هيومن رايتس ووتش، 22 إبريل/ نيسان 2025.      الرابط  

[4] "تونس: السبيل القضائي الأخير لإلغاء الإدانات في قضية “التآمر” الظالمة"، منظمة العفو الدولية، 2 سبتمبر/ أيلول 2026.      الرابط  

[5] "منظمة: 1884 احتجاجاً في تونس منذ بداية سنة 2026 وشهر جوان هو الأكثر احتقاناً"، ألترا تونس، 26 يوليو/ تموز 2026.      الرابط  

[6] صالح عطية، "نبوءة عمرها 80 عاماً.. هل حان زمانها في تونس؟"، الجزيرة نت، 23 سبتمبر/ أيلول 2026.      الرابط