الحدود الكويتية العراقية في مرحلة ما بعد التحالُف الدولي
2026-09-281377 مشاهدة
تدخل العلاقات العراقية الكويتية مرحلة أمنية وسياسية مختلفة مع اقتراب اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق في 30 سبتمبر/ أيلول 2026، وما يرافق ذلك من انتقال تدريجي في مسؤولية إدارة الملفات الأمنية إلى المؤسسات العراقية.
بالنسبة إلى الكويت، فإن هذه المعادلة تجعل الجنوب العراقي أكثر أهمية مما كان عليه في السابق، فالمشكلة الأمنية لا تبدأ عند الخط الحدودي، وإنما تمتد إلى البيئة التي تسبق الحدود، حيث تتقاطع البنية الأمنية الرسمية مع شبكات سياسية واقتصادية ومسلحة تمتلك بدرجات متفاوتة قدرة على الحركة والتأثير.
وتزداد حساسية هذه البيئة في محافظة البصرة، التي تشكل بوابة العراق الاقتصادية الجنوبية، وتجاور الكويت من جهة سفوان، وترتبط في الوقت نفسه بشبكة واسعة من الطرق التجارية والموانئ والممرات البحرية؛ لذلك فإن استقرار البصرة لا يمثل شأناً عراقياً داخلياً فحَسْبُ، بل يدخل بصورة مباشِرة في الحسابات الأمنية والاقتصادية للكويت.
ومن هذه الزاوية، فإن خروج التحالف الدولي يدفع الكويت إلى إعادة تعريف علاقتها الأمنية مع بغداد عبر زيادة التعاون الاستخباري، وتبادُل المعلومات بشأن الحدود والمنافذ، ومراقبة حركة الجماعات المسلحة، وتعزيز قدرات حرس الحدود، وهو ما أفضى إلى زيارة وفد أمني عراقي إلى الكويت في 25 سبتمبر/ أيلول 2026 لمناقشة عدة ملفات أمنية.
من جهة أخرى، إن البُعد الاقتصادي بين البلدين من المرجح أنه سيكون جزءاً أساسياً من المعادلة الأمنية الجديدة، فالكويت تنظر إلى العراق باعتباره سوقاً وممراً محتملاً للاستثمار والنقل والطاقة، وتبقى مشاريع الربط والنقل والموانئ والاستثمارات المرتبطة بالتجارة بين البلدين شديدة الحساسية تجاه الاستقرار الأمني في جنوب العراق.
ولذلك فإن قدرة بغداد على حماية الطرق التجارية والمنافذ الحدودية ومنع الجماعات المسلحة والشبكات الإجرامية من التأثير في حركة التجارة ستصبح عاملاً مؤثراً في تقييم الأخطار المرتبطة بالاستثمار والتعاون الاقتصادي.
وستكون النتيجة الأهم من وجهة النظر الكويتية هي الانتقال من مرحلة كانت فيها الحدود الشمالية جزءاً من منظومة أمنية إقليمية تقودها الولايات المتحدة بصورة واضحة، إلى مرحلة يتعين فيها اختبار قدرة الدولة العراقية نفسها على إنتاج الأمن في محيطها الجنوبي، ولهذا ستصبح مؤشرات الأداء في البصرة والمنافذ الحدودية والمجال البحري، هي المقياس الحقيقي لطبيعة المرحلة المقبلة.
وعليه فإن خروج التحالف لا يعني بالضرورة زيادة تلقائية في الأخطار على الكويت، لكنه يرفع أهمية العامل العراقي في معادلة الأمن الكويتي. فكلما تمكنت بغداد من ترسيخ احتكار الدولة للقوة وتحويل المؤسسات الأمنية العراقية إلى الجهة الوحيدة القادرة على إدارة الحدود والمنافذ والمجال البحري، تراجعت احتمالات انتقال التوترات الإقليمية إلى البيئة الكويتية.
أما استمرار تعدُّد مراكز القوة في العراق، ولا سيما في المناطق الجنوبية ذات الأهمية الاقتصادية والجغرافية، فسيُبقي الحدود العراقية الكويتية مرتبطة بدرجة أكبر بالتوازنات الإقليمية وبالصراع الأوسع بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما.
بالتالي ستبقى الحدود الجنوبية للعراق إحدى أكثر النقاط حساسية في معادلة أمن الخليج؛ لأنها تقع عند تقاطُع المصالح العراقية والكويتية والإيرانية ضِمن بيئة إقليمية سريعة التحول، ومن شأن أيّ تغيُّر في توازُنات هذه المنطقة أن ينعكس مباشرة على أمن الممرات البحرية وحركة التجارة وحسابات القُوَى الخليجية تجاه العراق.




