التداعيات الاقتصادية للتوترات القائمة في مضيق باب المندب

التداعيات الاقتصادية للتوترات القائمة في مضيق باب المندب

2026-09-20
1793 مشاهدة

في 11 سبتمبر/ أيلول 2026، تمكنت جماعة الحوثيين بعد معارك ضارية من السيطرة على مضيق باب المندب الذي يصل البحر الأحمر بخليج عدن غرب اليمن ويمثل إحدى البوابات الرئيسية لحركة التجارة العالمية بما فيها صادرات النفط.  

وقد شملت التداعيات الفورية لاشتداد المعارك في باب المندب ارتفاعاً حادّاً في أسعار الطاقة، حيث تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل، واقترب لفترة وجيزة من 109 دولارات، مع احتساب المتعاملين ارتفاع الأخطار المرتبطة بأحد الممرات الرئيسية المتبقية لنقل الطاقة في العالم، وقيام ناقلات النفط العملاقة بتجنُّب العبور من المضيق.  

وبُعيد التصعيد خفض العديد من مشغلي السفن وتيرة العبور أو بدؤوا الاستعداد لتحويل مساراتهم حول رأس الرجاء الصالح، وهو مسار يضيف ما بين عشرة وأربعة عشر يوماً إلى الرحلة، ويقدر أن يرفع التكلفة بنحو 2 إلى 2.5 مليون دولار لكل رحلة بالنسبة إلى السفن الكبيرة.  

كما أن الاضطراب في مضيق باب المندب يهدد مساراً يتعامل مع نحو ثلث حركة الحاويات العالمية، بالإضافة إلى 12% من النفط المنقول بحراً و8% من الغاز الطبيعي المسال، ولهذا فإن التداعيات الاقتصادية المترتبة على ذلك تُعَدّ مكلفة.  

بدورها واجهت إيرادات قناة السويس المصرية، التي كانت قد تراجعت بالفعل نتيجة الاضطرابات الأمنية في مضيق هرمز، ضغوطاً جديدة مع انخفاض عدد السفن التي تدخل من جهة البحر الأحمر وبحر العرب.  

وتنتقل هذه الزيادات في التكاليف بنهاية المطاف إلى المستهلكين في صورة ارتفاع في أسعار الطاقة والسلع، بما يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية في الاقتصادات المتقدمة والناشئة على حدّ سواء.  

من جهة أخرى، ستتوقف التطورات الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة على قدرة الحوثيين على الحفاظ على مواقعهم الجديدة، وعلى مدى استمرار تهديد الملاحة في باب المندب، وكذلك على قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على توفير بدائل آمنة وموثوقة لحركة التجارة.  

فإذا استمرت حالة عدم اليقين، فمن المرجح أن تتعامل شركات الشحن والتأمين مع البحر الأحمر باعتباره منطقة عالية الأخطار لفترة أطول، حتى في حال عدم توقُّف حركة الملاحة بصورة كاملة.  

أما بالنسبة إلى سوق النفط، فإن التأثير الأساسي لن يكون بالضرورة فقدان كميات ضخمة من الإنتاج العالمي، وإنما ارتفاع تكلفة إيصال البرميل؛ لأن استمرار تدفُّق النفط عبر مسارات بديلة يعني أن الأزمة قد تتحول من أزمة توافُر إلى أزمة تكلفة، بحيث تبقى الإمدادات موجودة ولكن بأسعار نقل وتأمين ووقت عبور أعلى.  

وفي حال استمر الوضع لفترة طويلة، قد تدفع هذه البيئة الدول المستورِدة والشركات الكبرى إلى إعادة النظر في إستراتيجيات أمن الطاقة، من خلال زيادة المخزونات الإستراتيجية، وتنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع استخدام خطوط الأنابيب والمسارات البرية التي تقلل الاعتماد على الممرات البحرية المعرضة للأخطار.  

وعليه إن قدرة سلاسل الإمداد العالمية على التكيف مع استمرار اضطراب باب المندب ستصبح عاملاً حاسماً في تحديد الأثر الاقتصادي طويل الأمد للأزمة، لا سيما إذا أدى تحويل مسارات السفن إلى إعادة توزيع حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.  

بالمقابل إن استعادة الاستقرار في باب المندب لن تعني بالضرورة عودة سلاسل الإمداد فوراً إلى أنماطها السابقة، إذ قد تستمر الشركات والدول بالاحتفاظ بهوامش أمان أعلى وتنويع مساراتها ومورديها بعد أن أثبتت الأزمة هشاشة الاعتماد المفرط على ممر تجاري واحد.  

وبذلك، قد يتمثل الأثر الإستراتيجي للأزمة في تسريع انتقال سلاسل الإمداد العالمية من نموذج يقوم على الكفاءة وتقليل التكلفة إلى نموذج يُولِي مرونة الشبكات وتعدُّد المسارات ومقاومة الصدمات وزناً أكبر في قرارات التجارة والاستثمار.